محمد متولي الشعراوي
9191
تفسير الشعراوي
وعلى المؤمن مهما كان مُسْرفاً على نفسه ساعةَ يرى إنساناً مُقبلاً على الله مُستزيداً من الطاعات أنْ يدعوَ له بالمزيد ، وأن يفرح به ؛ لأن فائض طاعاته لعله يعود عليك ، ولعلك تحتاج شفاعته في يوم من الأيام . أما مَنْ يحلو لهم الاستهزاء والسخرية من أهل الطاعات ، كما أخبر الحق تبارك وتعالى : { إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ } [ المطفيين : 2932 ] . فكيف ستقابل أهل الطاعات ، وتطمع في شفاعتهم بعدما كان منك ؟ فإنْ لم تكُنْ طائعاً فلا أقلَّ من أنْ تحب الطائعين وتتمسح بهم ، فهذه في حَدِّ ذاتها حسنةٌ لك ترجو نفعها يوم القيامة . وما أشبه الشفاعة في الآخرة بما حدث بيننا من شفاعة في الدنيا ، فحين يستعصي عليك قضاءُ مصلحة يقولون لك : اذهب إلى فلان وسوف يقضيها لك . وفعلاً يذهب معك فلان هذا ، ويقضي لك حاجتك ، فلماذا قُضِيتْ على يديه هو ؟ لا بُد أن له عند صاحب الحاجة هذه أياديَ لا يستطيع معها أنْ يرد له طلباً . إذن : لا بُدَّ لمن يشفع أن يكون له رصيد من الطاعات يسمح له بالشفاعة ، وإذا تأملت لوجدت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أول مَنْ قدّم رصيداً إيمانياً وسع تكليفه وتكليف أمته ، ألم يخبر عنه ربه بقوله : { يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ التوبة : 61 ] لذلك وجبت له الشفاعة ، وأُذِن له فيها .